العيني
118
عمدة القاري
( ثم قال : بلى ) معناه أي : أنه لكبير وقد صرح بذلك في رواية أخرى للبخاري ، من طريق عبيدة بن حميد عن منصور فقال : وما يعذبان في كبير ، وإنه لكبير ؛ وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش ، ومسلم لَمْ يذكر الرواتين ، وقال الكرماني : فان قلت : لفظ : بلى ، مختص بإيجاب النفي ، فمعناه : بلى إنهما ليعذبان في كبير ، فما وجه التوفيق بينه وبين : ما يعذبان في كبير ؟ قلت : قال ابن بطال : ( وما يعذبان بكبير ) يعني : عندكم وهو كبير ، يعني : عند الله تعالى ، وقد ذكرناه . وقال عبد الملك البوني في معنى قوله : ( وانه لكبير ) ، يحتمل أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ظن أن ذلك غير كبير ، فأوحى الله تعالى إليه في الحال بأنه كبير ، وفيه نظر . بيان استنباط الاحكام الأول : فيه أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له ، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة خلافاً للمعتزلة ، ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب ( الطبقات ) تأليفه : إن قيل مذهبكم أداكم إلى إنكار عذاب القبر ، وهذا قد أطبقت عليه الأمة . قيل : إن هذا الأمر إنما أنكره أولاً ضرار بن عمر ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة ، وليس الأمر كذلك ، بل المعتزلة رجلان : أحدهما : يجوز ذلك كما وردت به الأخبار ، والثاني : يقطع بذلك . وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك ، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة : إنهم يعذبون وهم موتى ، ودليل العقل يمنع من ذلك ، وبنحوه ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب ( الطبقات ) تأليفه . وقال القرطبي : إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضا ، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصادق ، صلى الله عليه وسلم ، وإن الله يحيى العبد ويرد الحياة والعقل ، وهذا نطقت به الأخبار ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم ، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير ، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين ، وإنما المساءلة إنما تقع في تلك الأوقات ، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر ، ولكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه للكافرين والفاسقين . وقال بعضهم : عذاب القبر جائز ، وإنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد ، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحس ، وهذا مذهب جماعة من الكرامية . وقال بعض المعتزلة : إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم ويحدث الآلام وهم لا يشعرون ، فإذا حشروا وجدوا تل الآلام كالسكران والمغشي عليه إن ضُربوا لم يجدوا ألماً ، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام ، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمر وبشر المريسي ويحيى بن كامل وغيرهم فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلاً ، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة ، وإلى الانكار أيضاً ذهب الخوارج وبعض المرجئة . ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه ، وخالف في ذلك محمد بن جرير وطائفة فقالوا : لا يشترط إعادة الروح ، وهذا أيضا فاسد . الثاني : فيه نجاسة الأبوال مطلقاً ، قليلها وكثيرها ، وهو مذهب عامة الفقهاء ، وسهل بن القاسم بن محمد ، ومحمد بن علي والشعبي ، وصار أبو حنيفة وصاحباه إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير اعتباراً للمشقة وقياساً على المخرجين . وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول ، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الأبر من البول ، وفي الجواهر للمالكية : إن البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام نجسان ، وطاهران من كل حيوان مباح الأول ، ومكروهان من المكروه أكله . وقيل : بل نجسان . وعامة الفقهاء لم يخففوا في شيء من الدم إلاَّ في اليسير من دم الحيض ، واختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير ، فقيل : قدر الدارهم الكبير . الثالث : قال الخطابي : فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور ، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر ، فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة . قلت : اختلف الناس في هذا المسألة ، فذهب أبو حنيفة وأحمد ، رضي الله تعالى عنهما ، إلى وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت ، لما روى أبو بكر النجار في كتاب ( السنن ) عن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مر بين المقابر فقرأ : قل هو الله أحد ، أحد عشر مرة ، ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات ) . وفي ( سننه ) أيضاً عن أنس يرفعه : ( من دخل المقابر فقرأ سورة : يس ، خفف الله عنهم يومئذ ) . وعن أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من زار قبر والدية . أو أحدهما ، فقرأ عنده ، أو عندهما يس ، غفر له ) . وروى أبو حفص بن شاهين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال : الحمد لله رب العالمين رب السماوات ، ورب الأرض رب العالمين ، وله الكبرياء في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم ، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ، وله